عباس حسن
243
النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة
زيادة وتفصيل : ( ا ) عرفنا « 1 » « المبهم » من ظروف المكان ، وأنه يشمل أنواعا منها : « الجهات الست » . وقد ألحقوا بهذه الجهات ألفاظا أخرى ، منها : عند - - لدى - وسط - بين - إزاء - حذاء . . . واختلفوا في مثل « 2 » : داخل - خارج - ظاهر - باطن - جوف الدار - جانب ، وما بمعناه ( مثل : جهة - وجه - كنف ) في مثل : قابلته داخل المدينة أو خارجها ، أو ظاهرها . . . ؛ فكثير من النحاة يمنع نصب هذه الكلمات على الظرفية المكانية ؛ لعدم إبهامها ، ويوجب جرّها بالحرف : « في » . وفريق يجيز ، ويرى أنّ هذا هو الأنسب « 3 » ، لما فيه من تيسير ، لأن تلك الكلمات الدالة على المكان لا تخلو من إبهام ، فهي شبيهة بالمبهم ، وملحقة به . وكان الجدير بكل فريق أن يستند في تأييد رأيه على موقفه من المسموع المأثور ، ويعتمد عليه وحده في الاستدلال ، واستنباط الحكم ، فمن نصره السماع الكثير فرأيه هو الأقوى دون غيره . ولكنهم لم يفعلوا . ومن ثمّ يكون الرأي المجيز أولى بالاتباع ، وإن كانت المبالغة في الدقة والحرص على سلامة الأسلوب وسمّوه تقتضى البعد عن الخلاف باستعمال الحرف « في » ؛ لاتفاق الفريقين على صحة مجيئه ؛ فيجرى التعبير اللغوي على سنن موحد . ( ب ) من أنواع الظرف ما يكون مؤسّسا ؛ وما يكون مؤكّدا ، فالمؤسّس هو الذي يفيد زمانا أو مكانا جديدا لا يفهم من عامله ؛ نحو : صفا الجو اليوم ، فقضيته حول المياه المتدفقة ، وبين الأزاهر والرياحين . فكل من الظروف : ( اليوم - حول - بين - . . . ) يسمى : ظرفا مؤسسا ، أو تأسيسيّا ؛ لأنه أسّس - أي : أنشأ - معنى جديدا لا يفهم من الجملة بغير وجوده . والمؤكّد هو الذي لا يأتي بزمن جديد ، وإنما يؤكد زمنا مفهوما من عامله . ومن أمثلة قوله تعالى : ( سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا ) . فالظرف : « ليلا » لا جديد معه إلا التوكيد لزمن الإسراء ؛ لأن الإسراء لا يكون إلّا ليلا . . . ومثله : سرت حينا ومدة ، لأن الظرف لم يزد زمنا جديدا غير الزمن الذي دل عليه الفعل « 4 »
--> ( 1 ) في ص 239 . ( 2 ) من كل ما لا يدل على حقيقته بنفسه ، وإنما تعرف بما تضاف إليه ؛ مثل : مكان - ناحية - أمام - وراء - جهة . . . فيقال مثلا : مكان على - ناحية محمود . . . ( 3 ) راجع حاشية الخضري ، باب الظرف - ج 1 - ففيها تلخيص الرأيين ، وبيان الأنسب منهما ، وأنه المفهوم من كلام صاحب الهمع في هذا الباب . ( 4 ) انظر رقم 2 من هامش ص 239 .